اتصل بنا

 

صحيفة الكترونية تُعنى بالشأن السياسي والثقافي

 

 أرض السواد

 

 رسالة التنزيه للمجتهد الأكبر السيد محسن الأمين مذ بدأ حياته العملية بعد نيله إجازة الاجتهاد المطلق من النجف الأشرف. وهي رسالة أُعدت لتنقية الشعائر الحسينية مما لحق بها من أمور دخيلة


.

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

دور إبليس

فإن الله سبحانه وتعالى أوجب إنكار المُنكر بقدر الإمكان بالقلب أو اليد أو اللسان. ومن أعظم المنكرات اتخاذ البدعة سنّة والسنّة بدعة والدعاية إليها وترويجها، ولمّا كان إبليس وأعوانه إنما يضلون الناس من قبل الأمر الذي يروج عندهم، كانوا كثيراً ما يضلون أهل الدين من طريق الدين بل هذا من أضر طرق الإضلال وقلّما تكون عبادة من العبادات أو سنّة من السنن لم يُدخل فيها إبليس وأعوانه ما يفسدها. فمن ذلك إقامة شعائر الحزن على سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين بن علي عليهما السلام التي استمرت عليها طريقة الشيعة من عصر الحسين(ع) إلىاليوم. ولما رأى إبليس وأعوانه ما فيها من المنافع والفوائد وأنه لا يمكنهم إبطالها بجميع ما عندهم من الحيل والمكائد توسلوا إلى إغواء الناس بحملهم على أن يُدخلوا فيها البدع والمنكرات وما يشينها عند الأغيار قصداً لإفساد منافعها وإبطال ثوابها فادخلوا فيها أموراًً أجمع المسلمون على تحريم أكثرها وأنها من المنكرات وبعضها من الكبائر التي هدد الله فاعلها وذمه في كتابه العزيز.

أمورٌ منكرة

1- فمنها الكذب بذكر الأمور المكذوبة المعلوم كذبها وعدم وجودها في خبر ولا نقلها في كتاب وهي تتلى على المنابر وفي المحافل بكرة وعشياً ولا من منكر ولا رادع. وسنذكر طرفاً من ذلك في كلماتنا الآتية إن شاء الله وهو من الكبائر بالاتفاق لا سيما إذا كان كذباً على الله أو رسوله أو أحد الأئمة عليهم السلام.

2- ومنها إيذاء النفس وإدخال الضرر عليها بضرب الرؤوس وجرحها بالمدى والسيوف حتى يسيل دمها وكثيراً ما يؤدي ذلك إلى الإغماء بنـزف الدم الكثير وإلى المرض أو الموت وطول برء الجرح.

وبضرب الظهور بسلاسل الحديد وغير ذلك. وتحريم ذلك ثابت بالعقل والنقل وبما هو معلوم من سهولة الشريعة وسماحتها الذي تمدّح به رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله "جئتكم بالشريعة السهلة السمحاء" من رفع الحرج والمشقة في الدين بقوله تعالى {ما جعل عليكم في الدين من حرج}.

3- ومنها استعمال آلات اللهو كالطبل والزمر (الدمام) والصنوج النحاسية وغير ذلك.

4- ومنها تشبّه الرجال بالنساء في وقت التمثيل.

5- ومنها إركاب النساء الهوادج مكشّفات الوجوه وتشبيههن ببنات رسول الله(ص) وهو في نفسه محرم لما يتضمنه من الهتك والمثلة فضلاً عما إذا اشتمل على قبح وشناعة أخرى مثلما جرى في العام الماضي في البصرة من تشبيه امرأة خاطئة بزينب(ع) وإركابها الهودج حاسرة على ملأ من الناس.

6- ومنها صياح النساء بمسمع من الرجال الأجانب ولو فرض عدم تحريمه فهو معيب شائن منافٍ للآداب والمروءة يجب تنـزيه المآتم عنه.

7- ومنها الصياح والزعيق بالأصوات المنكرة القبيحة.

8- ومنها كل ما يوجب الهتك والشنعة مما لا يدخل تحت الحصر ويختلف الحال فيه بالنسبة إلى الأقطار والأصقاع إلى غير ذلك.

فإدخال هذه الأشياء في إقامة شعائر الحزن على الحسين(ع) من تسويلات إبليس ومن المنكرات التي تغضب الله ورسوله(ص) وتغضب الحسين(ع) فإنه قُتل في إحياء دين جده (ص) ورفع المنكرات فكيف يرضى بفعلها لا سيما إذا فُعلت بعنوان أنها طاعة وعبادة.

الحملة على الإصلاح

وقد رأينا في هذه الأيام أوراقاً مطبوعة ذكر فيها صاحبها أنه يرد على ناشئة عصرية من صفتها كذا فطائفة منها ازدلفت إلى مشاهدهم المقدسة ببقيع الفرقد فهدمتها وطائفة منهم قد تألبت لإبطال إقامة العزاء للنبي وآله وعترته أيام وفياتهم المعلومة لا سيما يوم عاشوراء.

ثم ذكر حُسن إقامة المآتم والبكاء على الحسين (ع) بما كفيناه مؤونته في كتابنا إقناع اللائم على إقامة المآتم كما كفيناه مؤونة الأمر الثاني في كتابنا كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبد الوهاب وفي قصيدتنا العقود الدرية.

وحسَّن فيها ما يفعله بعض الناس أيام عاشوراء من لبس الأكفان وكشف الرؤوس وجرحها بالمِدى والسيوف حتى تسيل منها الدماء وتلطخ بها تلك الأكفان ودق الطبول وضرب الصنوج والنفخ في البوقان (الدمام) وغير ذلك، والسير في الأزقة والأسواق والشوارع بتلك الحالة.

وعرّض بنا وببعض فضلاء السادة في البصرة بسوء القول لنهينا عن قراءة الأحاديث المكذوبة وعن هذا الفعل الشائن للمذهب وأهله والمنفر عنه والملحق به العار عند الأغيار والذي يفتح باب القدح فيه وفي أهله ونسبتهم إلى الجهل والجنون وسخافة العقول والبعد عن محاسن الشرع الإسلامي واستحلال ما حكم الشرع والعقل بتحريمه من إيذاء النفس وإدخال الضرر عليها حتى أدى الحال إلى أن صارت صورهم الفوتوغرافية تعرض في المسارح وعلى صفحات الجرائد. وقد قال لنا أئمتنا عليهم السلام {كونوا زينا لنا ولا تكونوا شيناً علينا} وأمرونا بأن نفعل ما يقال لأجله، {رحم الله جعفر بن محمد ما أحسن ما أدب به أصحابه}. ولم ينقل عنهم أنهم رخّصوا أحداً من شيعتهم في ذلك ولا أمروهم به ولا فُعل شيء من ذلك في عصرهم لا سراً ولا جهراً.

وقد كتب على ظهرها انها للمصلح الكبير!! فهذا هو الإصلاح الذي يوصف صاحبه بالمصلح الكبير بالحث على أمر لو فرض محالاً أنه ليس محرماً فهو مما يلصق العار بالمذهب وأهله وينفر الناس عنه ويفتح باب القدح فيه!

أليس من الورع في الدين والاحتياط فيه التحاشي؟ أما يقتضي الإصلاح، لو كان القصد الإصلاح، تركه والتجافي عنه صيانة للمذهب وأهله من إلصاق العيب بهم والتنفير عنهم؟ فلو فرض إباحته فهو ليس من واجبات الدين التي يضر تركها.

وكتب على ظهرها أيضاً أنها طبعت على نفقة "الجمعية الدينية في النبطية" (كذا).

منطق المعارضين

وقد أفاض صاحبها في ذكر خرافات العرب قبل الإسلام مما لا مساس له بالموضوع وفي أمور أخرى كثيرة من هذا القبيل بعبارات مطولة ولسنا بصدد استقصاء جميع ما فيها مما يوجب الانتقاد لأن ذلك يطول به الكلام ولا يتعلق لنا به غرض بل نقتصر على شق الرؤوس واستعمال الطبول والزمور ونحوها ونذكر نموذجاً من كلامه في غيرها مما وقع نظرنا عليه اتفاقاً ليكون مثالاً لغيره.

كقوله: نعم كانت حال سيدنا الحسين(ع) ومن على شاكلته من آله وصحبه، كما ذُكر، لا بغية لهم بتلك الوثبة الليثية إلا إرجاع الحق لنصابه وعود الملك لأهله والخلافة الإسلامية لسيرتها الأولى لا يتقمصها سوى قرشي جامع لشرائطها ضليع في العلم والحلم والورع والزهد والقضاء والحكم والشجاعة والبراعة فائقاً أقوى المسلمين نهضة بأعباء الطاعة وأثقال خالص العبادة ونصرة الحق وخذلان الباطل. يقول فصلاً ويحكم قسطاً ويقسم عدلاً لم يسدل بينه وبين الأمة حجاجاً ولم يقم على أبوابه حُجّاباً. مواسياً أضعف المسلمين في خشونة الملبس وجشوبة المطعم قد ثقفته الحكمة الإلهية وهذبته السنّة النبوية فلا تأخذه في الله لومة لائم ولا تقعده عن قول الحق عذلة عاذل... إلخ.

وجاء فيها قوله: (وعلماء الأمة الغير متهمين (كذا) بمبالغة ولا تشيع). وقد تكرر منه إضافة ما فيه إلى العاري منها كقوله (واللغة الغير عربية) وقوله (الغير مشروع) وفي موضوع آخر (قال الإمام الصادق(ع) إلى أبي الصيقل) (كذا). وفي موضوع آخر (ومن نسيج هذا البكاء وعلى طرزه وشاكلته بكاء اللعين ابن سعد الخصم الألد والعدو المبين إلى آل ياسين)(كذا). وجاء فيها أيضاً: (من ذا الذي يجترئ من الأمة الإسلامية على رسول الله وعلى صحابته كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وفاطمة وعائشة وأم سلمة وابني عباس ومسعود وأضرابهم من حملة الكتاب ونقلة السنّة وخدمة العلم وأئمة المذهب فيرمي الجميع بسخطهم على الله وتبرمهم من حكمه وقضائه وامتحانه وبلائه حين يلم على سيرتهم(كذا) ويسبر صحائف تاريخهم فيراهم بأسرهم كانوا يبكون لفقد أعزائهم وأحبائهم).

وجاء فيها ما لفظه: الحسن والقبح للأشياء وإن كانا ذاتيين لها لا بالوجوه والاعتبار على الأقوى بيد أن كونها كذلك نريد به أن الأشياء من قبيل المقتضيات للحسن والقبح نظير النار للإحراق يؤثران حيث لا مانع أما مع وجوده فلا كالصدق الذي فيه هلكة نبي والكذب الذي فيه منجاته فيبطل تأثيرها كالرطوبة في الحطب المبطلة لإحراق النار له (ولم ندرِ) ما وجه الإقوائية في كون حسن الأشياء وقبحها ذاتياً وما بالذات لا يتغير فكيف يكون الكذب المنجي للنبي حسناً والصدق المهلك له قبيحاً إذا كان قبح الكذب وحسن الصدق ذاتياً وكلامه يدل على أنه توهم أن الأفعال هي التي اقتضت قبح نفسها وحسنها وأثرت فيه)...

أساليب السجع

وجاء فيها (ومن فجائع الدهور وفظائع الأمور وقاصمات الظهور وموغرات الصدور ما نقله بعض جرائد بيروت في هذا العام عمن نحترم أشخاصهم من المعاصرين الوطنيين من تحبيد ترك المواكب الحسينية والاجتماعات العزائية بصورها المجسمة في النبطية وغيرها فما أدري أصدق الناقل أم كذب؟ فإن كان صدقاً فالمصيبة على الدين جسيمة عظيمة لا ينوء بها ولا ينهض بعبئها عاتق المتدينين) إلى آخر ما هنالك.

ونقول: هذا التهويل وتكثير الأسجاع لا يفيد شيئاً ولو أضيف إليه أضعافه من قاطعات النحور ومجففات البحور ومفطرات الصخور ومبعثرات القبور ومهدمات القصور ومسقطات الطيور. بل إن من فجائع الدهور وفظائع الأمور وقاصمات الظهور وموغرات الصدور اتخاذ الطبول والزمور وشق الرؤوس على الوجه المشهور وإبراز شيعة أهل البيت واتباعهم بمظهر الوحشية والسخرية أمام الجمهور مما لا يرضى به عاقل غيور، وعد ذلك عبادة ونسبته إلى أهل البيت الطهور. والمواكب الحسينية والاجتماعات العزائية لا تحسن ولا تحل إلا بتنـزيهها عما حرمه الله تعالى وعما يشين ويعيب وينسب فاعله إلى الجهل والهمجية وقد بيّنا أن الطبل والزمر وإيذاء النفس والبروز بالهيئة المستبشعة مما حرمه الشرع ولم يرضه لأوليائه سواء وقع في النبطية أو القرشية أو مكة المكرمة.

الخبر الضعيف والمكذوب

وجاء فيها (قالوا إنا نجد قراء التعزية كثيراً ما يسردون على مسامع الجالسين أحاديثاً (كذا) مكذوبة) وأجاب بما لفظه: (وكثير من أساطين العلماء يعملون بضعاف الأخبار في السنن ومن المعلوم أن روايات التعزية من سنخ الرخص لا العزائم والله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه).

وإنا نسأله ما ربط عمل العلماء بالخبر الضعيف في السنن بأخبار التعزية التي هي أمور تاريخية لا أحكام شرعية؟ وما ربط الخبر الضعيف بالمقام؟ والقائل الموهوم إنما قال إنهم يوردون أحاديث مكذوبة ولم يقل ضعيفة الإسناد وما معنى أن روايات التعزية من سنخ الرخص لا العزائم؟ فالرخصة خاصة بالمباح والمستحب والمكروه والتعزية بالحرام والواجب فما معنى أن روايات التعزية من الرخص فهل تلك الروايات نفسها مباحة أو مكروهة أو مستحبة؟ فإن كان المراد نفس الرواية فلا تتصف بشيء من ذلك وإن كان المراد نقلها فأي معنى لكون نقلها محرماً وإن كان المراد مضمونها فهو قصة تاريخية لا تتصف برخصة ولا عزيمة ولو فرض أن مضمونها حكم شرعي فلا بد أن يكون أحد الأحكام الخمسة التكليفية فكيف جعل رخصة فقط.

وقوله: إن الله يحب أن يخفف على عبده بترك المستحب مثلاً كما يحب أن يلتزم بفعل الواجب وترك المحرم فما ربط ذلك بإيراد الرواية المكذوبة في التعزية.

اللحن في اللغة العربية

وجاء فيها: قالوا: وجلهم، أي قراء التعزية، يتلو الحديث ملحوناً(وأجاب) بما ملخصه على طوله أن المستمعين أمم عديدة ألسنتها شتى منهم عربي وفارسي وتركي وهندي وإلخ ومنهم عوام فينقل لهم معنى الأحاديث بألفاظهم العامية، إلى أن قال وأي حاجة ماسة للعربية الفصحى في قراءة التعزية على أمة أمية كمعدان العراق وقروية الشام وسكان بادية نجد والحجاز واليمن المصطلحين فيما بينهم على وضع ألفاظ معلومة؟

وأنت ترى أن الجواب غير منطبق على هذا المقال الموهوم فالقائل يقول الأحسن رفع اللحن من قراءة التعزية وهو يقول في جوابه إن المستمعين منهم عربي وفارسي وتركي وهندي فما ربط الفارسي والتركي والهندي والجاوي بالمقام فلم يقل القائل إنه لا ينبغي قراءة التعزية بالتركية للأتراك وبالفارسية للفرس وبالهندية للهنود بل يقول ينبغي لقراء التعزية بالعربية للعرب عدم اللحن ولم يقل إنه لا ينبغي أن يقرأ الحديث بالمعنى حتى يجيبه بأن منهم عواماً فينقل لهم الحديث بالمعنى بألفاظهم العامية على أن ذلك أمر غير واقع فليس في قراء التعزية من يقرأ بالألفاظ العامية بل كلهم يقرؤون بالعربية الفصحى ولكن مع اللحن من البعض والقائل لم يأبَ عن قراءة التعزية بالألفاظ العامية كالنعي المتعارف بل يقول إذا قرىء الشعر لا يحسن أن يكون ملحوناً وإذا نقل حديث أو خطبة ينبغي أن لا يكون فيه لحن. والقائل يقول لا ينبغي اللحن في قراءة التعزية وهو يقول في جوابه لا يلزم قراءتها بالعربية الفصحى ولو فرضنا أنه أراد من العربية الفصحى عدم اللحن فيقال له إذاً أي حاجة إلى ترك اللحن في جميع الكلام ولماذا وضع النحو وكتب العربية؟ وهل قراءة الفاعل مخفوضاً والمفعول مرفوعاً تزيد في فهم المعاني لمعدان العراق وقروية الشام وسكان بادية نجد واليمن والنازلين بأرياف مصر والحالين في نواحي حضرموت والمتبوئين صحراء أفريقيا وبلاد المغرب؟ وما الذي يضره من عدم اللحن في قراءة التعزية وما القارئ إلا خطيب؟ وما الذي يدعوه إلى كل هذه المدافعة عن اللحن في القراءة؟ أهو حب الإصلاح أم أمر آخر؟ وهل إذا تلونا الحديث والشعر بدون لحن فاستجلبنا به قلب ذي المعرفة ولم ننفره بسماع الغلط وصنّا الحديث عن اللحن والغلط وعن الخطأ في فهم المعنى بسبب اللحن ولم نجعل تفاوتاً على غير ذي المعرفة الذي لا يضره رفع الفاعل ولا يزيد في فهمه خفضه يكون عملنا هذا مضراً وعكسه نافعاً والمستمعون كما يوجد فيهم المعدان يوجد فيهم أهل العلم والمعرفة؟

اختلاق الأخبار

قال: وممن طعن على القراء للتعزية بعض المعاصرين زعم أن الكثير منهم بين مخلق (كذا) للأخبار وبين ماسخ لها وعنده هذا الطعن عليه(انتهى).

ومراده كاتب هذه السطور الذي بعدما ذكر في مقدمة المجالس السنية حسن إقامة العزاء والبكاء على سيد الشهداء واستدل عليها بأوضح الأدلة وامتنها قال ما لفظه: هذا ولكن كثيراً من الذاكرين لمصابهم(ع) قد اختلقوا أحاديث في المصائب وغيرها لم يذكرها مؤرخ ولا مؤلف ومسخوا بعض الأحاديث الصحيحة وزادوا ونقصّوا فيها لما يرونه من تأثيرها في نفوس المستعمين الجاهلين بصحة الأخبار وسقمها إلى آخر ما ذكرناه. والمجالس السنية إنما ألفناها لتهذيب قراءة التعزية وإصلاحها من العيوب الشائنة والمحرمات الموبقة من الكذب وغيره وانتقاء الأحاديث الصحيحة الجامعة لكل فائدة فقام هذا الرجل يرمينا بأن هذا الطعن علينا بأننا نختلق الأحاديث ونمسخها وجاء بعبارته هذه التي جمجم فيها وبترها وأبت نفسه إلا أن يذكرها والله تعالى يعلم وعباده يعلمون وهو نفسه يعلم أننا لسنا كذلك وأننا نسعى جهدنا ونصرف نفيس أوقاتنا وعزيز اموالنا في تأليف الكتب وطبعها ونشرها لا نستجدي أحداً ولا نطلب معونة مخلوق قصداً لتهذيب الأحاديث التي تقرأ في إقامة العزاء من كل كذب وعيب وشين ليكون الذاكرون من الخطباء الذين تستجلب قراءتهم الأنظار وتستهوي إليها الأفئدة والأسماع وتستميل الطباع وليكون أثرهم في النفوس بقدر ميلها إليها ولتكون مفخراً للشيعة لا عاراً عليهم ولتكون قراءتهم عبادة خالصة من شوب الكذب الموجب لانقلابها معصية فإن إقامة شعائر الحزن بذكر صفات الحسين(ع) ومناقبه ومآثره ووصف شجاعته وإبائه للضيم وفظاعة ما جرى عليه وذكر المواعظ والخطب والآداب ومستحسن أخبار السلف وغير ذلك والتخلص إلى فاجعة كربلاء على النهج المألوف مع تهذيبها عن المنافيات والمنكرات من أنفع المدارس وأقوى أسباب التبشير بالدين الإسلامي وطريقة أهل البيت عليهم السلام وجلب القلوب إلى حبهم والسير على طريقتهم والاتصاف بكريم صفاتهم. كما أن إقامتها على غير هذه الطريقة من أقوى أسباب التنفير عن دين الإسلام وطريقة أهل البيت عليهم السلام يعرف ذلك كل منصف ونحن نذكر لك واقعة واحدة تكون نموذجاً لما نقوله وهي أنه اتفق وجودنا في مدينة بعلبك في وفاة بعض أجلاء السادة من آل مرتضى فقرأ رجل من قراء التعزية الذين عودناهم على عدم اللحن في القراءة خطبة من النهج في صفة الأموات، وكان بعض عرفاء المسيحيين حاضراً فقال لجلسائه "إنني لم اعجب من بلاغة هذا الكلام الذي هو غاية في البلاغة ولا من جري القارىء في قراءته كالسيل ولا من مضامين هذا الكلام الفائقة وإن كان ذلك كله موضع العجب وإنما عجبت من عدم لحن هذا القارئ فيما قرأه على طوله".

أخبار مختلقة

يقول: إنا نزعم أن الكثير منهم بين مختلق للأخبار ثم يشتمنا بهذا القول!! وما ندري ما الذي يزعمه هو؟ أيزعم انهم كلهم ليسوا كذلك؟! كيف وغالبهم عوام يخلطون الحابل بالنابل؟ ولا ننكر أن فيهم الفضلاء الكاملين الذين يفتخر بأمثالهم وقليل ما هم ولكن الكثير منهم ليسوا كذلك كما هو مشاهد بالعيان، ويجهل أو يتجاهل قراءتهم حديث "أين ضلت راحلتك يا حسان" الذي اختلقه بعض آل قفطان على سطح مسجد الكوفة، كما هو مشهور عند فضلاء النجف وغيرهم. أو حديث "خرجت أتفقد هذه التلاع مخافة أن تكون مظناً لهجوم الخيل على مخيمنا يوم يحملون وتحملون" وإلا فليدلنا في أي كتاب هذا الحديث؟ وأي رواية جاءت به ضعيفة أو صحيحة؟ أم حديث "أن البرد لا يزلزل الجبل الأصم ولفحة الهجير لا تجفف البحر الخضم" أو حديث "قول شمر للحسين(ع) بعدك حياً يا ابن الخارجي" أو حديث "أي جرح تشده لك زينب". أو حديث "مخاطبة زينب للعباس لدفن أبيه مع بني أسد". أو حديث "درة الصدف التي حاربت مع الحسين(ع)". أو حديث "مجيء الطيور التي تمرغت بدم الحسين (ع) وذهبت إلى المدينة ومعرفة فاطمة الصغرى بقتل أبيها من تلك الطيور". أو غير هذه من الأحاديث الكثيرة التي تُقرأ على المنابر وهي من الكذب الصراح والتي يطول الكلام بالإشارة إليها في هذه العجالة. أم يزعم أن قراءة الأحاديث المختلقة خير من قراءة الأحاديث الصحيحة المروية قصداً للإصلاح؟!!

وحاصل مقصود هذا المصلح الكبير أن لا ينبّه أحداً من قراء التعزية على ترك قراءة الأحاديث المكذوبة ولا على ترك اللحن ولا على قراءة بعض ما ينفر السامعين بل يريد أن تبقى الأحاديث ممزوجاً صحيحها بسقيمها وغثّها بسمينها وصدقها بكذبها وخطأها بصوابها وقشرها بلبابها ولحنها بإعرابها، فحبذا هذا الإصلاح!! وما ندري ما الذي يسوءه من حمل القراء على قراءة الأحاديث الصحيحة؟ وما الذي يعجبه من قراءة الأحاديث المكذوبة والملحونة وليس هو بقارئ تعزيه ولا أقامه القراء محامياً ووكيلاً عنهم؟

لبس الأكفان وشق الرؤوس

ومما قاله في تحسين لبس الأكفان وكشف الرؤوس وشقها بالمدى والسيوف يوم عاشوراء: ما الذي نقموه على هذه الفئة وسفهوا لأجله أحلامها وأخرجوها به من دائرة الإنسانية؟ ألبسها لبس الموتى: فهذا عمل غير معيب عقلاً وهو مشروع ديناً في إحرام الحج ومندوب في كل آن تذكرة للآخرة وتأهباً للموت، وكفى به واعظاً ومن الغرور بالدنيا محذراً ومنذراً أم كشفها عن رؤوسها وهذا أيضاً مستحسن طباً مشروع بالإحرام ديناً أم بضعها رؤوسها بآلة جارحة وهذا أيضاً مسنون شرعاً إذ هو ضرب من الحجامة والحجامة تلحقها الأحكام الخمسة التكليفية مباحة بالأصل والراجح منها مستحب والمرجوح مكروه والمضر محرم والحافظ للصحة واجب فقد تمس الحاجة إلى عملية جراحية تفضي إلى بتر عضو أو اعضاء رئيسية حفظاً لبقية البدن وسداً لرمق الحياة الدنيوية والحياة الدنيا بأسرها وشيكة الزوال والاضمحلال؟ أتباح هذه الجراحة الخطرة لفائدة ما دنيوية ولا تباح جراحة ما في إهاب الرأس لأعظمها فائدة وأجلها سعادة أخروية وحياة أبدية وفوز بمرافقة الأبرار في جنة الخلد؟ (انتهى).

قوله: الحجامة مباحة بالأصل، بل هي محرمة بالأصل لأنها ضرر وإيذاء للنفس ولا تحل إلا مع الضرورة لدفع مرض أو ألم أعظم منها وإلا كانت كفعل حجام سابط الذي ضرب به المثل فقيل: "أفرغ من حجّام ساباط"، وكان إذا لم يجد من يحجمه حجم زوجته وأولاده.

قوله: والمرجوح مكروه، فيه أنه يشمل المكروه والحرام ولم يبين متى يكون مرجوحاً. قوله: والراجح مستحب، فيه أنه يشمل الواجب والمستحب. قوله: والحافظ للصحة واجب، فيه أنه لا يجب دائماً فمع الخوف على النفس يجب وبدونه يستحب. وحيث جعل شق الرؤوس نوعاً من الحجامة فهو إما واجب وذلك حينما يخشى الضارب على نفسه الهلاك لو لم يضرب نفسه بأن يخبره الطبيب الحاذق أن في رأسه مرضاً مهلكاً لا يشفيه إلا جرح رأسه وشقه، أو مستحب بأن يكون الضارب محموماً حمى شديدة ويخبره الطبيب الحاذق أن دواءه في شق رأسه وإخراج الدم منه ويشترط في هذين عدم التعرض للشمس وشدة الحركة الذي قد يوجب شدّة مرضه أو هلاكه. وإمّا محرم وذلك حيث يكون إيذاءً صرفاً وضرراً بحتاً.

وحيث إن الذين يضربون رؤوسهم وليس في رؤوسهم داء ولا في أبدانهم حمى فانحصر فعلهم في الحرام. وإذا كان محرماً لم يكن مقرباً إلى الله ولا موجباً لثوابه بل موجباً لعقابه ومغضباً لله ولرسوله (ص) وللحسين(ع) الذي قتل لإحياء شرع جده(ص). قوله: قد تمس الحاجة إلى عملية جراحية إلخ...، فيه أن العملية الجراحية المفضية إلى بتر العضو أو الأعضاء تباح بل تجب لأنها مقدمة لحفظ النفس الواجب وتباح لأجل الضرورة فإن الضرورات تبيح المحظورات فيقدم الأهم وهو حفظ النفس على المهم وهو عدم الإيذاء والإضرار ويرتكب أخف الضررين ولكن الحرام لا يباح لإدراك المستحب فالاستحباب لا يعارض الحرمة ولا يطاع الله من حيث يعصى ولا يتقبل الله إلا من المتقين. ومن ذلك تعلم أن قوله: أتباح هذه الجراحة الخطرة لفائدة ما دنيوية ولا تباح جراحة ما في إهاب الرأس لأعظمها فائدة وأجلها سعادة أخروية؟! كلام شعري فإن الفائدة الأخروية وهي الثواب لا تترتب على فعل المحرم فلا يكون في هذا الفعل إلا الضرر الدنيوي والأخروي.

وما أشبه هذا الكلام الشعري بما يحكى أن رجلاً صوفياً سرق تفاحة وتصدق بها فسأله الصادق(ع) عن سبب فعله ذلك فقال إنّه لما سرقها كتبت عليه سيئة فلما تصدق بها كتبت له عشر حسنات لأن من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وما جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها فإذا أسقطنا سيئة من عشر حسنات بقي تسع حسنات فقال له الصادق (ع) إن هذا جهل؛ أوما سمعت قوله تعالى{إنما يتقبل الله من المتقين} إنك لما سرقت التفاحة كتبت عليك سيئة فلما تصدقت بها كتبت عليك سيئة أخرى لأنك تصدقت بغير مالك أو ما هذا معناه.

التكليف والجعل

ثم قال: لا يقال إن السعادة والفوز غداً لا يترتبان على عمل ضرري غير مجعول في دين الله لأنا نقول أولاً الغير مشروع (كذا) في الإسلام من الأمور الضررية هو ما خرج عن وسع المكلف ونطاق طاقته لقبح التكليف حينئذ بغير مقدور أما ما كان مقدوراً فلم يقم برهان عقلي ولا نقلي على منع جعله وكونه شاقاً ومؤذياً لا ينهض دليلاً على عدم جعله إذ التكاليف كلها مشتقة من الكلفة وهي المشقة وبعضها أشد من بعض وأفضلها أحمزها وعلى قدر نشاط المرء يكون تكليفه وبزنة رياضة المرء نفسه وقوة صبره وعظمة معرفته يكلف بالأشق فالأشق زيادة للأجر وعلواً للرتبة ومزيداً للكرامة ومن ها هنا كانت تكاليف الأنبياء أشق من غيرها ثم الأوصياء ثم الأمثل فالأمثل. وفي الخبر أن عظيم البلاء يكافئه عظيم الجزاء. وفي آخر أن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأوصياء ثم الأمثل فالأمثل من المؤمنين وعباد الله الصالحين، وهكذا إلى الطبقة السفلى وهي طبقة المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، فهم أخف تكليفاً من سائر الطبقات، أنتهى.

قوله: لا يترتبان على عمل ضروري غير مجعول في دين الله، فيه أن الجعل للأحكام لا للأعمال فيقال هذا الحكم مجعول في دين الله أو غير مجعول في دين الله أو غير مجعول ولا معنى لقولنا هذا العمل مجعول في دين الله أو غير مجعول بل يقال جائز أو غير جائز أو نحو ذلك. قوله: لأنا نقول أولاً الغير مشروع(كذا) في الإسلام إلخ...، فيه( أولاً) أن قوله الغير مشروع لحن غير مسموع تكرر وقوعه منه كما نبهنا عليه إذ لا يجوز دخول أل على المضاف إلا إذا دخلت على المضاف إليه كالجعد الشعر، (ثانياً) أنه ذكر أولاً ولم يذكر ثانياً. قوله: أما ما كان مقدوراً لم يقم برهان عقلي ولا نقلي على منع جعله فيه (أولاً) أن الكلام في العمل الذي فيه ضرر كما صرح به في قوله لا يترتبان على عمل ضرري والجعل للحكم لا للعمل كما مر فكأنه اشتبه عليه ما سمعه من أن الله لم يجعل حكماً ضررياً بمقتضى قوله (ص) "لا ضرر ولا ضرار" وما يريد أن يثبته من أن الله يجوز أن يكلف بما فيه ضرر كشف الرؤوس فخلط أحدهما بالاخر، (ثانيا) قوله: لم يقم برهان عقلي ولا نقلي على منع جعله إن أراد به أنه لم يقم برهان على جواز أن يكلف الله بما فيه ضرر فأين قول الفقهاء دفع الضرر المظنون واجب؟ وأين اكتفاؤهم باحتمال الضرر الموجب لصدق خوف الضرر في إسقاط الت&#