اتصل بنا

 

صحيفة الكترونية تُعنى بالشأن السياسي والثقافي

 

 أرض السواد : محمود الربيعي

 

 


رؤية الهلال ووحدة المسلمين - القسم الخامس

 

مقدمة

 

يفترض في التطور العقلي والعلمي ان يوحد الناس ويقربهم لا ان يزيدهم  تباعدا فرغم توسع الشبكة المعلوماتية والاتصالات بين الدول عبر الهاتف والموبايل وشبكة الانترنيت والمحادثة المباشرة والفاكس وغيرها من الابتكارات والابداعات ورغم ازدحام وجهات النظر التي تعرض على المواقع الالكترونية وسرعة التصفح عبر هذه الشبكة الا ان كل ذلك لم يكن كافيا فالعبرة في اتفاق قادة الدول وورعها في ايصال الحقيقة وحرصها على وحدة الشعوب والعبرة في اتفاق اهل الاديان واهل المذاهب ورقي الياتها العقلية والعلمية والدينية واجتماعها على قول الحق بورع واجتهاد.

 

واليوم يشهد العالم جملة من الوسائل المعينة لتقريب المعرفة الى الاذهان من اختراعات في عالم الفضاء وكثرة الجامعات العلمية التي تبحث في هذه الشؤون وتسهل الامور لعلماء الدين لاصدار فتاواهم الا ان اختلاف قدرة العقول على الاستيعاب والتفهم لاتزال دون المستوى المطلوب.

 

ان الجماهير المسلمة اليوم تحتاج اكثر من ذي قبل الوحدة في الفكر والتفكير ومزيد من التقارب والجلوس على طاولة العلم والاجتهاد وترك التضيق الذهني من عدم استيعاب حاجة المجتمع الى وحدة الموقف ولابد من النهوض بالواقع وحل المشاكل بروح الدين الحقيقية التي يبتغى من ورائها رضوان الله تعالى وراحة الناس.

 

توطئة للقسم الخامس

 

تعالج هذه الحلقة والتي تستند كما ذكرنا على شروحات السيد محمود الهاشمي مسالة خروج القمر من المحاق وتاثير الموانع العارضة كالغيم والغبار واشعة الشمس واختلاف مطالع الهلال بين بلد واخر وتاثير كروية الارض والتاكيد على الادلة الفقهية من رؤية الهلال وبشهادة عدلين او اكمال عدة الشهر الذي قبله او الشهر نفسه أي شهر رمضان، والاشارات اللطيفة الى الخروج من الارتباك في صيام يوم الشك وقد تناول العلماء هذا الامر بحلول فقهية تخرج المكلف من الحرج وسنعرض ذلك من خلال فتاوى العلامة الاستاذ السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي(ره):

 

مسالة476:اذا افطر المكلفثم انكشف ثبوت الهلال باحد الطرق المزبورة وجب عليه القضاء، واذا بقي من النهار شئ وجب عليه الامساك فيه.

 

مسالة479:اذا صام يوم الشك من شهر شوال، ثم ثبت الهلال اثناء النهار وجب عليه الافطار.

 

مسالة480:لايجوز ان يصوم يوم الشك من شهر رمضان على انه منه.  نعم يجوز صومه استحبابا او قضاءا، فاذا انكشف – حينئذ – اثناء النهار انه من رمضان عدل بنيته واتم صومه.  ولو انكشف الحال بعد مضي الوقت حسب له صومه ولايجب عليه القضاء.

 

والان نحن مع تتمة بحث العلامة اية الله السيد محمود الهاشمي والتي استعرضنا جزءها الاول مع الحلقة الرابعة من موضوع بحثنا التبسيطي لاجل رعاية نفسية المسلم والعمل على وحدة مواقفهم في المشاكل التي تتكرر كل سنة على الاقل مرتين او ثلاث مرات في بداية ونهاية شهر رمضان وفي تحديد يوم العيد.

 

تتمة \ 1

ثبوت الشهر برؤية الهلال في بلد آخر

آية اللّه السيد محمود الهاشمي

والحاصل: ان هنا امرين ثبوتيين في الهلال تكون الرؤية طريقا اليهما:

احدهما: تكون الهلال في نفسه بمعنى خروجه في سيره ودورته عن المحاق وتحت اشعة الشمس بحيث يمكن ان يرى ولو في نقطة واحدة من الكرة الارضية.

الثاني: امكان رؤيته في كل نقطة بالعين المجردة او حتى المجهزة عند فقد الموانع العارضة كالغيم والغبارواشعة الشمس في النهار. وهذا امر واقعي ثبوتي ايضا تكون الرؤية طريقا اليه، وهو يعني بلوغ الهلال درجة من التكون والنورانية بحيث يمكن ان يرى قبل غروبه قبل الليل.

والامر الاول كما افاد الاستاذ(ره) ليس نسبيا، اي ليس له افراد متعددة بل فرد واحد بالنسبة للكرة الارضية وبقاعها كلها، الا ان الامر الثاني نسبي يختلف من بقعة الى اخرى كما هو واضح.

فاذا كان مبنى قول المشهور ومرادهم من اختلاف المطالع للهلال المعنى الاول فهذا غير صحيح كما افاده الاستاذ(ره)، وان كان مقصودهم من طلوع الهلال المعنى الثاني لم يتم ما ذكره الاستاذ في نفي النسبية واختلاف مطالع الهلال باختلاف البقاع والاصقاع نتيجة كروية الارض، فلابد من البحث وتحديد ان ايا من الامرين هوالميزان في تحقق الشهر ودخوله بحسب ما يستفاد من مجموع الادلة الشرعية والمرتكزات العرفية، وعبائرالاصحاب غير واضحة من هذه الناحية.

واما ما قد يتوهم من احتمال موضوعية الرؤية في تحقق الشهر وان المشهور انما ذهبوا الى اشتراط اتحاد الافق لكون الرؤية ماخوذة بنحو الموضوعية في ذلك، فهذا خلاف صريح كلمات الاصحاب ومما لا يحتمل فقهيا على ماسنشير اليه عند التعرض الى ادلة كل من القولين.

ادلة القول الاول المشهور:

استدل على القول المنسوب الى المشهور بالاصل، وبانه مقتضى ما دلـت عليه الـروايات المستفيضة بانه: «صم للرؤية وافطر للرؤية» ((13)) الظاهرة في شرطية الرؤية ودخلها في دخول الشهر وحصره فيها، خرجنا عن ذلك فيما ثبت خلافه بالدليل وهو قيام شاهدين عدلين على الرؤية او مضي ثلاثين يوما، الا ان روايات ثبوت الشهربشهادة عدلين على رؤيته ظاهرة او منصرفة الى رؤيته في نفس البلد او خارجه مما هو قريب منه لا البلاد البعيدة المختلفة معه في الافاق.

مناقشة الاستدلال:

ويمكن ان يناقش في هذا الاستدلال:

1- اما الاصل العملي المدعى، فان اريد به استصحاب بقاء الشهر السابق فهو لا يجري في المقام، لكون الشبهة مفهومية وليست موضوعية ليجري فيه استصحاب بقاء الموضوع على ما حقق في محله من علم الاصول من عدم جريان الاستصحاب الموضوعي في الشبهات المفهومية اذ لا شك فيما هو الواقع خارجا وهو في المقام خروج القمر عن المحاق ورؤيته في البلد الاخر وانما الشك في صدق عنوان الشهر الجديد بذلك وكفايته فيه،وهذا نظير الشك في كون فاعل الصغيرة فاسقا ام باقيا على العدالة فانه لا يجري فيه استصحاب العدالة الثابتة قبل صدور الصغيرة منه.

وان اريد استصحاب بقاء حكم الشهر السابق فهذا ايضا لا يجري، لان عنوان الشهر السابق كرمضان مثلا آماخوذ بنحو الحيثية التقييدية لوجوب الصوم بحيث يكون احتمال زواله وارتفاعه من ارتفاع الموضوع،فوجوب صوم شهر رمضان ثابت لرمضان بما هو رمضان لا لواقع الزمان لكونه رمضان بنحو الحيثية التعليلية،فلا يجري استصحاب بقاء وجوب الصوم ليوم الشك من شوال. نعم في يوم الشك لرمضان يجري استصحاب عدم وجوب الصوم الثابت في شعبان، لانه ليس ثابتا لعنوان شعبان بل من جهة عدم دخول رمضان، فهو من استصحاب عدم الحكم لا بقاء الحكم ليقال بتعدد موضوعه.

وان اريد بالاصل العملي البراءة فهي تجري عن وجوب الصوم في يوم الشك في رمضان سواء كان في اوله او في آخره، وهو خلف المطلوب.

فما هو المطلوب اثباته بناء على القول المشهور لا يثبت بالاصل العملي سواء اريد به الاستصحاب او البراءة. نعم اذا لاحظنا روايات «صم للرؤية وافطر للرؤية » فهي تثبت بقاء حكم الشهر السابق ما لم ير الهلال، الا ان هذا رجوع الى الاستدلال بالروايات لا الاصل العملي، كما ان الاستدلال بها مبني على عدم اطلاق الرؤية فيها للرؤية في البلد الاخر.

2- واما الاستدلال بروايات الامر بالصوم للرؤية والافطار للرؤية:

ا- فان اريد استفادة موضوعية الرؤية لتحقق الشهر القمري ودخوله: فان اريد اشتراط رؤية كل مكلف اوعلمه في تحقق الشهر بالنسبة اليه وفي حقه فهذا واضح الضعف، فان عناوين الاهلة والشهورلاشك في كونها عناوين عرفية واقعية ومطلقة، اي ليست اعتبارات شرعية ليتصور اخذ العلم بنحو الموضوعية فيها فتكون نسبية ومختلفة باختلاف الافراد، بل هي كالامور التكوينية الاخرى يكون لها واقع واحد ثابت يعرض عليه العلم والشك،وكذلك سببه ومنشؤه وهو حركة القمر وتكون الهلال، فليس في البين للناس الا شهر واحد لا شهور حسب اختلاف الناس في الرؤية والعلم بالهلال او الشك فيه،بل ظاهر الروايات والسنة الايات ذلك ايضا، وهذا مما لامجال للتشكيك فيه.

وان اريد اشتراط رؤيته في الجملة اي كفاية ثبوته ولو لبعض الناس برؤيته لتحقق الشهر في حق الجميع فهذاايضا خلاف الارتكاز المذكور، فان العلم والشك والرؤية وعدمها ليست الا طرقا محضة عرفا لاثبات الشهور والاهلة،

وليست ماخوذة بنحو الموضوعية في تحققها حتى في الجملة. هذا بحسب الفهم العرفي لعنوان الشهور والاهلة، وبحسب روايات الرؤية ايضا كذلك، فان ظاهرها طريقية الرؤية لا دخلها في تحقق عنوان الشهر،لانه مضافا الى ان القرينة العامة تقتضي حمل العناوين الطريقية بطبعها كالعلم والظن والرؤية والتبين على الطريقية المحضة في لسان الادلة، توجد قرائن خاصة في روايات الباب تعين ذلك، من قبيل: ما جاء فيها من ان الصوم بالرؤية لا بالتظني والراي والاحتمال، مما يعني ان المقصود لزوم التثبت واحراز دخول الشهر وخروجه في الصوم والافطار، وان اشتراط الرؤية والتاكيد عليها من اجل ذلك، وكذا ما ثبت نصا وفتوى من كفاية قيام البينة التي هي طريق للواقع على ذلك، وكذا ما ثبت من كفاية مضي ثلاثين يوما في دخول الشهر الجديد ولو لم ير احدالهلال، وكذا ما ثبت من لزوم القضاء لاول الشهر اذا رئي الهلال ليلة التاسع والعشرين، فان هذه الاحكام وامثالها تدل على ان الرؤية طريق محض وليست محققة للشهر القمري ولا موضوعا للحكم الواقعي بوجوب الصوم.

هذا مضافا الى ان الرؤية لو فرض كونها ماخوذة بنحو الموضوعية للحكم الواقعي وكان الماخوذ في الموضوع الرؤية في الجملة ومن بعض الناس لا كل مكلف مكلف، امكن دعوى كفاية الرؤية في الجملة ولو في بعض البلاد،لتحقق الشهر في حق الجميع.

فالحاصل: لو اريد اخذ الرؤية بنحو الموضوعية لتحقق مفهوم الشهر فهذا يمكن دعوى القطع بخلافه، حيث انه لاينبغي الاشكال في كون الشهر امرا واقعيا تكوينيا على حد سائر عناوين الايام والاوقات كالنهار والليل والزوال والغروب واليوم والاسبوع والسنة فلا يكون العلم او الرؤية بالخصوص الا طريقا محضا الى اثباتها.

ودعوى: ان الرؤية طريق الى المرئي وهو الهلال، واما الشهر فيمكن ان تكون رؤية الهلال ولو في الجملة ومن قبل بعض الناس شرطا ثبوتا في تحققه ودخيلا بنحو الموضوعية فيه، فلا يكفي وجود الهلال حتى في افق البلد آلتحقق الشهر ما لم تتحقق الرؤية للهلال في الجملة.

مدفوعة مضافا الى كونه خلاف الفهم العرفي واللغوي لعنوان الشهر، حيث يقال: هذا هلال شهر رمضان اوشوال، مما يكون ظاهرا في ارتباط الشهر بواقع الهلال لا برؤيته او العلم به، ومضافا الى انه لا يثبت قول المشهور، اذ لاحد ان يقول حينئذ بكفاية رؤيته في بلد واحد لتحقق عنوان الشهر، بعد ان لم تكن رؤية كل مكلف مكلف لازمة في تحقق الشهر له : بان لازم ذلك عدم تحقق الشهر وعدم صدقه عرفا ولغة اذا لم ير الهلال اصلا حتى اذا علم بوجوده في الافق بنحو قابل للرؤية لولا المانع من غبار او غيم او رئي في ليلة التاسع والعشرين من الشهر، مع انه لا اشكال في تحقق الشهر بذلك حتى عرفا، فلا يتوهم امكان كونه من باب التعبد والتنزيل، فانه لامجال له في المفاهيم العرفية، وانما يعقل بلحاظ الاحكام الشرعية كما هو مقرر في محله، فلابد وان يكون ثبوت الهلال وبلوغه مرتبة من الرشد هو تمام الموضوع لعنوان الشهر لا رؤيته او العلم به.

ب- ولو اريد اخذ الرؤية بنحو الموضوعية في الحكم الشرعي بوجوب الصوم وانتهائه وان كان الشهر امراواقعيا ويدعى انها ماخوذة على نحو الطريقية موضوعا لوجوب الصوم والافطار لا على نحو الصفتية فتقوم الحجج والامارات الاخرى التعبدية مقامها على القاعدة بناء على قبول هذه الكبرى وان كانت محل اشكال على ماقرر في محله ويقال باستفادة هذا المعنى من روايات الامر بالصوم والافطار للرؤية.

فالجواب مضافا الى ان هذا خلاف ظاهر آية تشريع الصوم الظاهرة في ايجاب صوم لواقع شهر رمضان والروايات الكثيرة الظاهرة ايضا في ان موضوع الوجوب والتكليف الواقعي بالصوم انما هو شهر رمضان، وهذاكاف لحمل الرؤية في هذه الروايات على الطريقية المحضة لا الموضوعية خصوصا مع القرائن العامة والخاصة التي تقدمت الاشارة اليها. ومضافا الى ان هذا لا يثبت قول المشهور، لان غايته اخذ العلم او رؤية الهلال في موضوع وجوب الصوم، اما ان الشهر لا يكفي فيه رؤية الهلال في بلد آخر فلا ينفيه، فيكفي حينئذ العلم بدخول الشهر وطلوع الهلال في بلد آخر لوجوب الصوم، وهو خلاف مقصود المشهور : ان هذا المعنى لا يجتمع مع وجوب قضاء يوم لم يكن للمكلف طريق فيه لاثبات شهر رمضان بل قام الطريق القطعي او الحجة الشرعية عنده على عدم كونه من شعبان ثم تبين الخلاف بعد مضي اليوم، فانه لا شك في وجوب القضاء عليه، وهذا لا يكون الا مع فرض فعلية الوجوب الواقعي في حقه وتحقق الفوت منه وان لم يكن منجزا عليه، وهذا يعني ان وجوب صوم رمضان ليس موضوعه الا واقع الشهر لا الشهر المعلوم.

وحمل دليل القضاء على التعبد والتنزيل منزلة القضاء خلاف ظهور عنوان القضاء في جبران وتدارك الواجب الفائت حقيقة.

المصادر

ثبوت الشهر برؤية الهلال في بلد آخر لآية اللّه السيد محمود الهاشمي

المسائل المنتخبة (العبادات والمعاملات) فتاوى السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي(ره) الطبعة الخامسة عشر 1412ه

 

‏17‏/07‏/2008

 

 

 

الصفحة الأولى

 

              ardhalsawad@yahoo.com

المقال يمثل رأي صاحبه ولا يمثل رأي الصحيفة